
لا شك أن "إسرائيل" هي حالة استثنائية على جميع الأصعدة ففي الظروف الطبيعية المجتمع هو الذ أفرز المؤسسات وأنتجها، بينما في الحالة الإسرائيلية فالحركة الصهيونية هي التي أنتجت المؤسسات وأنتجت المجتمع والدولة معاً، وعليه فإن تجليات الإنتاج تظهر في البنى الاجتماعية والمؤسسات وفي شتى أنماط الحضور الهوياتي، بحيث يصير التعليم تعليماً أيدولوجياً محضاً موجهاً من المؤسسة الحاكمة وراعياً لانتاج العقول وتصنيعها كما تُصَّنع المنتجات الاستهلاكية الأخرى. احدى جوانب هذا التصنيع والذي لم يتم تسليط الضوء عليه سابقاً هو تدريس اللغات سواء العبرية منها أو العربية، فقراء نقدية مقارنة لتدريس اللغتين في الجامعة العبرية مثلاً قد تعطينا صورة جيداً عن آلية اشتغال المؤسسة الاكاديمية، التي لا يمكن أنت تكون سوى جزء لا يتجزء من سياسة الإنتاج الاجتماعي سواء درسها الطالب الفلسطيني أو الأجنبي، ففي حالة الطالب الفلسطيني الذي يدرس اللغة العبرية يكون التدريس بمثابة جبهة قتالية مشرعة ضده وضد وعيه، وفي حال كان الطالب تلميذاً أجنبياً فهي تعمل على تشكيل وعيه بصورة تتلائم ورؤية المؤسسة الصهيونية بحيث يصير التدريس محاولة لانتاج نسخ مكررة للخطاب الصهيوني.
في قراءة لكتب تدريس اللغة العبرية نلاحظ أنها بمجملها كتب معدة لبث المضامين المعززة للخطاب الصهيوني فعلى سبيل كتاب " بين الأسطر" لجلي هومينار وتسوكي شاي ( تدريس اللغة للمبتدئين) يبدأ بجرعات بسيطة فيخوض صراع زيت الزيتون والحمص كونهم جزء لا يتجزء من ميراث الشعب اليهودي بدء من علاقة الزيت بالتوراة ووصلاً إلى مقال "الحمص لنا" وفي مراحل متقدمة أكثر من تعليم اللغة العبرية تتكاثف المضامين فيصعب التمييز هل هو كتاب لتعليم اللغة العبرية أم كتاب لتعليم المدنيات وتاريخ إسرائيل والحركة الصهيونية؟ لننظر إلى عناوين كتاب وردة وردة يشاي وإيمتي بار كول: "علاقة الإسلام بالسياسة والدين والدولة" في "قصة يوسف وأخوته" "قضية الباص 300"، "جوهراليهودية والإنسانية؟" "رسائل من دافيد بن غوريون"، "من هو اليهودي؟"، "اليهودية الإسرائيلية"...
تسريب مضامين وعناوين كهذه التي أوردتها أعلاه كافية لأن تمنح طالب اللغة شهادة في المشروع الصهيوني مع المدخلات والمركبات الثقافية والدينية للشعب اليهودي. هي قد لا تصنع منه صهيونياً لكنها في غياب أمن ثقافي فلسطيني قد تكون ناسفاً لوعيه ومدمرة لهويته، كما أنها في حالة الطالب الأجنبي قد تكون تبشيراً بالمشروع الصهيوني الإنساني بحيث يتحول الطالب الغربي في الجامعة العبرية إلى امتداد لها ومروج لثقافتها لدى عودته لبلاده.
على النقيض تماماً نرى أن المضامين المدرجة في كتب تدريس اللغة العربية هي بمعظمها مضامين سطحية وموجهة بشكل سلبي، يكفي أن ننظر مثلاً لكتاب تكفا حسون، والذي يدرس فيه الطلبة الأجاب واليهود اللغة العربية في الجامعة العبرية، يغطي الكتاب مدخلاً للصحافة العربية، أسماء الصحف وشعاراتها، قصاصات صحف، إعلانات عمل، واخبار سطحية مضحكة عن عائلات فلسطينية وقضايا اجتماعية كرسائل الأبناء لاباءهم يشرحون فيه نشوة الحياة وجماليتها فحسن بركات من الخليل ، والده محافظ وأمه بدوية لا تعمل ومع ذلك فهو سعيد بحياته.
نقرأ مثلاً في الجزء الثاني من كتاب حسون عنوان "تمديد توقيف المشبوهين بقضية تزوير وثائق شراء الأراضي بالضفة" والغريب في الأمر أن المحكمة الإسرائيلية قامت بمحاكمة من حاول تزوير شراء أراضي بالضفة الغربية ونرى الشرطة الإسرائيلية تعين طاقم خاص لتقديم توصيات ومتابعة القضية، لكننا لا نقرأ أي شيء عن الاستيطان في الضفة، وعن العنف الذي يمارسه المستوطنون يومياً في الأراضي الفلسطينية المحتلة أو عن السارق والمحتل الحقيقي للأرض الفلسطينية في الضفة.
خبر آخر يقول " سكان رام الله أبلغوا رئيس الكنيست: نريد دولة فلسطينية كي نتمكن من العيش بسلام" ولا نعرف مصدر الخبر، ولا كيف أخبر سكان رام الله رئيس الكنيست ولا من هو رئيس الكنيست، كل ما نقرأه متفرقات وكلمات فارغة منزوعة السياق تظهر دوماً الطابع الإنساني للمؤسسة الإسرائيلية وعلاقتها الطيبة مع الفلسطينيين، متجاهلة تماماً الواقع الفلسطيني الذي يظهر أنه يعيش في رخاء: "تكريم الطلبة المتفوقين في بيت ساحور"، "التسجيل يبدأ اليوم في الجامعة الإسلامية" و "بحث التعاون بين جامعتي النجاح وديسكاونس ميلووكي".
ان هذا التسخيف للواقع الفلسطيني اظهاره كواقع حيوي وجميل يظهر جلياً فالمشكلة في الأمية التي لدى الفلسطينية وفي كثرة المحافظين والميول الدينية والواقع السياسي الذي هو حصيلة يديهم وما اختاروه في المقابل تظهر المؤسسة الاسرائيلية كمؤسسة تنويرية تبشر بالحضارة الإنسانية من خلال فتح الجامعات أمام الفلسطينيين فنقرأ عن الكثير من قصص الطلبة الفلسطينيين من راس العامود وغيرها يدرسون في العبرية وهداسا.
تسكت كتب تدريس اللغة العربية عن الحضارة العربية ومضامين، فلا نرى أي تطرق للثقافة العربية وميراث الحضارة الإسلامية، اسهامات العرب في الترجمة في العلوم، أو واقعهم اليوم، مجريات عيشهم، الإشكاليات التي يواجهونها، أزمة الحضارة، كل ذلك لا يهم الواقفين من خلف الخطاب "العلمي" فهم لا يرون اللغة العربية إلا ضمن اطارها الأمني – السياسي لا أكثر.
قراءة مقارنة في الكتابين كافية لأن تعطي نظرة واضحة عن آلية اشتغال الأكاديميا الإسرائيلية، وعقلها المحرك فلن تكون الجامعات الاسرائيلية سوى مراكز أخرى للصراع، ومن يتحدث عن أمانة أكاديمية، فمن المحتم أنه لم يدرس بعد منتجات الجامعات الإسرائيلية، والتي ان أرادت بالفعل أن تصنع مشروعاً انسانياً فعليها أولاً أن تعيد قراءة آلياتها، وأن تعيد دراسة المضامين التي تدرسها.
اللغة هي ليس القضية الوحيدة التي تبرز فيها المضامين الاستعمارية وهيمنة السياسة على الأكاديمية وتزاوجهما، لكنها الموقع الأبرز الذي يظهر الصورة الواضحة لما يجري، ان كانت بالفعل الجامعات الإسرائيلية تريد أن تكون جامعات حقيقية فعليها أولاً وأخيراً أن تعيد قراءة مضامينها التي تدرسها لطلابها، وان لم تفعل فستبقى كما هي الآن جزء لا يتجزء من المشروع الصهيوني وبعيدة كل البعيد عن أن تكون أكاديمية، فالأكاديميا الحقيقية التي من المفروض أن تكون رسالتها إنسانية في المستوى الأول لا يمكن أن تتواقف جوهرياً والمشروع الصهيوني الذي ينقض أي رسالة انسانية وبالتالي يبقى السؤال كيف ستجيب الجامعات الإسرائيلية عمن يدعو لمقاطعتها إن كانت في أبسط القضايا ( قبل أن تحدث عن التصنيع التكنولوجي الذي يوفر القاعدة العلمية لشركات الأسلحة والبنى الأمنية ) تشن حرباً على وعي الطالب فأي ستبرير ستحمله لمقاطعيها؟