.jpg)
1- عزلة العالي
- 1-
لا تأسى شجرة اللّوز من الخريف، ولا تعتبُ على الشتاء.
تزهر بلا ذاكرةٍ، كأنّها خُلقتْ توّاً.
خفيّة الشّذا، فلا يشوبُ غفرانَها للزمان مِنّةٌ على المكان.
صباحُها أنخابٌ من نبيذ النّسغ ترفعها الأغصانُ تحيّةً لصداقة الشمس، لا تعالياً على طعنات الصقيع.
وليلُها رسالةُ هذا البحرِ الذي توسَّطَ بين الله والإنسان منذ وُجدت المسافة.
تقرأ بحفيفها أسئلةَ الموج، وتكتب بالنّدى بعضَ أجوبة الغيوم،
وتَمزج صخَبَ الزّبدِ وهو يُهِيْلُ على ليالي اليابسةِ ترابَ الفجر، بصمْتِ الأُفق حين تباغته نصالُ الغروب.
خارجٌ يتفجّر دهشةً بما أُوتِي،
وباطنٌ حذِرٌ ممّا سيَلقى.
بياضٌ بخفَّةِ اللّهَب،
وحمرةٌ بصلابة الجمر.
شغبُ الباحة إذا رنّ الجرَس،
وشرودُ الراهبة حين تغمض الأيقونة.
برهانُ التراب أنّه مصوِّر المعاني، لا وعاءُ ألوانٍ تَغرف منه ريشةُ المطر.
ونداءُ البراعم للريح: هِبّي كيفما شئتِ... لولا هدى النسيج، خابت إبرةُ الحائك.
- 2-
الألِفُ عزلةُ العالي.
استغنتْ عن العلاقة إلّا فيئاً لِما استظلَّ بها من حروف،
واكتفَتْ من المكان بأنْ تَكُونَ أُفقاً.
ثابتةٌ بلا جذرٍ، فنسْغُها منها.
رحبةٌ بلا سقفٍ، لأنها منتهى.
لا تُلفَظُ من اللّسان، لا تتردَّدُ في الحلْق، لا تَحطُّ على الشَّفة.
هي المَدى المتموِّج بين الرئتين والهواء.
السّاكنةُ منها لَيِّنَةٌ، تسلك على السَّطر سلوكَ الشجرةِ في المَهَبّ.
إذا انحنتْ صارت مقصورةً ليستقرَّ الفعل، ويتزيَّنَ الاسْمُ لمَعْناهُ، ويختليَ الحرف بغايته.
تتحرّك متوَّجةً بالهمزة مثلما توزِّعُ المنارة هالَتَها على الجِهات: سؤالاً يَكشف، لهفةً تُنادي.
وتُرفرف بجناحَيّ المَدَّةِ إذا كان المأمول بعيداً والمقصود غافلاً.
-3-
هل أخلع نعليَّ؟
أنا، مِن قبْلِ أنْ آنَسَ النارَ، حافٍ.
بل ناري في خُطايَ. جئتُ لِأَبردَ وأستعتِم.
عرفتُ، حين لم يبصر أيُّ سرابٍ ظمئي، أنَّني مُنادَى.
شهدتُ، تحت سياط الشمس، وعْدَكَ للقاصد: أنْ يصير نسْياً منسيّاً.
اقبلني قبولَ المصَبِّ شوائبَ المجرى، اطوِني طيَّ الأعماق للغريق.
ساوِني بما يعشب على ركبةِ بُركان، أو ما يتفتّح لشهابٍ شارد.
اِجعلِ الليلَ مرآتي، وامحُ من كلِّ نهارٍ ظِلّي.
ضاع صوتي. لا أبالي، وقد سمعتَه، أَنثَرتْه النوافير بين الخطى أم ثرثرَتْه المواقدُ للأكفّ.
تَصَدَّعَ بيتي، لئلّا أسكن غيرَ الريح الهابّةِ منك إليك.
إلهي!
مثلما شَفَعَ لهذه الجدران العتيقة أن فيئَها نسغُ اللبلاب الذي أضاع جذورَه،
وشقوقها أعشاشٌ لتسابيح الرّعد،
ووقْفَتها سَنَدُ الظهورِ المقوَّسة،
أبْقِ لي أصابعي حرّةً لا تستدفئُ ولا تقطفُ، ولا ترفعُ رايةً غيرَ تلويحة الرحيل.
اللاذقية-2015
2- الحَلبة
- 1-
صباح الخير للّذين لم تَطْلُع عليهم الشمس.
صباح الخير للّذين تمنّوا لو أنها لم تَطْلُع.
أصبحنا وأصبح المُلك للقتلة، وما مِنَّا إلّا له مقامٌ معلوم:
شاهراً نَصْلَه، أو باسطاً عنقَه.
هذا يأسي. يقينٌ آخر، ولو بدا نقمةً على كلِّ يقين.
أمشي. لا للأمام، فألغامُ الحاضر شاغِلتي عن هاوية الغد.
ولا للخلف، فلستُ الأُضحيةَ الملتفتة إلى المرعى كلَّما أرخى القصّابُ حبْلَه.
أنا الفراشة التي لم تزدها ملاهي النهارِ إلّا اندفاعاً نحو حرائق الليل.
أنا السبّاح الذي آثَرَ قرشَ الأعماق على ضباع اليابسة.
سهرتُ بينكم سَهَرَ المجداف في سفينةٍ مثقوبة،
نمتُ نومَ الشجرة في موقد،
وصحوتُ وسطَ الحلبة. خصمي هذا الجدارُ الحديديّ الأسود.
كلّما سجَّلتُ نقطةً، كُسِرَ منّي عظمٌ.
فلْيعلِن الحكّامُ ما شاؤوا. يكفيني ألّا أركعَ بالضربة القاضية.
سيَفهمني المخطوفون والسَّبايا، الذين صارت أسماؤهم أخاديدَ على جلودهم:
يرمي فيها الليلُ لهَبَ الدماء، وسمومَ الشهوات، وأشواكَ الشتائم.
سيصغي إليّ الساهرون أبداً كي لا تعشِّشَ في عيونهم خفافيشُ الأقبية.
إخوتي هم الساكبون نقْمتَهم على حديد الأقفاص:
خانقين بأقدامهم الحافيةِ كلَّ رغبةٍ أو ذكرى،
نادمين على ولاداتهم المبكرة قبل أنْ تُحشَرَ الوحوشُ؛
والمتأخرةِ بعد أنْ فُتِقَ رَتْقُ هذه الأرض.
-2-
نعمْ. أتى على الإنسان حينٌ من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً.
بل الإنسانُ حينٌ مطوَّقٌ بدهرينِ:
بدايتُه نقصانٌ، واكتمالُه محْوٌ.
أُنْسٌ طريدُ وحشتينِ: السقطةِ من الشلّال، والضَّياعِ في المَصَب.
شعلةٌ ملتقى سكونَيْنِ: جمرِ المضغة، ورمادِ الجثّة.
وضوحٌ نَسِيجُ غموضَيْنِ: دفءِ الرَّحِم، وصقيعِ القبر.
لهذا تُطْبِقُ الألِف والنُّون على السِّين من خاصرتيها نَبْذاً وجَذْباً،
مثلما تَستهلِكُ الضفّتان الراسختان قَلَقَ الجسرِ إلى أنْ تلوي دعائمَه دوّاماتُ الماء، وتجعِّدَ وجْهَه دعساتُ العابرِبن.
تؤرجحانها طوافاً موقوتًا بين الدهشة والخيبة.
مثلما يُنَزِّهُ النسرُ فريستَه في الأعالي، فتذهلَها عطايا جناحيه عن نوايا مخالبه.
-3-
البَرْدُ محنةُ الموقنِين أنّ الإنسان وُلِدَ لِيَدْفأ، أنّ العالَم مكانٌ يَضمُّ ويَستر لا مَهَبٌّ يُطيح ويُعرّي.
المرتابون في معجزات النار لا يَبردون. اعتادوا على أن تكون الحقيقة جارحةً.
لهذا أرواحُهم مواقدُ، وأجسادُهم حطب.
تأَمَّلْ سكونَ الرّاءِ مقيَّدَةً بباءِ البداية، شاخصةً إلى دالِ الأبد. كأنها عزْلَتُكَ في المرتقى العاصف بين سفحٍ معتم وقمّةٍ بيضاء.
لاحِظْ كيف يرتطم اللّسان بالأسنان حين يلفظها، غيظاً ممّا مضى ورهبةً ممّا سيأتي. يكاد المرء أن يعضَّ روحَه، ويَندر ألّا يُقطِّب جبينَه أو يسبل أجفانَه.
بَرَدَ: فعلٌ يفيد الحتَّ والسَّنَّ والتشذيب.
نقصانٌ بطيءٌ مغلَّفٌ بوعود الكمال، دأْبَ نِصالِ الشتاء وهي تَفرش قشعريراتِنا سجّاداٌ أحمرَ لخطى الربيع.
هل كانت فطنةً من أسلافنا لِما يكمنُ في الاسم من أفعال( كمونَ العقارب تحت صخرة) أنْ يصوِّر المَثَلُ الشائع لؤمَ البرْدِ بأنه" يقصُّ المسمارَ"؟
أم أرادوا التنبيهَ الى هشاشة الأوهام التي نعلّق عليها دروعَ الروح؟
- 4-
هل كان عليَّ أنْ أصمتَ حين طلبتَ منّي، في حضرة الموج، قصيدة؟
كيف أكتمُ ما تَرسَّبَ في تربة الروح من مطر الليل، وقد بُحتَ لي أنَّك لم تَعبر تلالَ الرماد وأنهارَ الدم، منكسراً أمام كلَّ طَلَل؛ ناشفَ الرِّيقِ عند كلِّ حاجز، إلّا لتَسمعَ شِعراً؟
هل تطفّلتُ على الحوار الصاخب الذي أطلقتْه العاصفة بين الماء ورئتيك:
رشقاتٌ طائشةٌ تتلقّاها صرخاتُ الدهشة،
وزفراتٌ غامضةٌ منك يفسّرها الموج دوّاماتٍ؟
من قال إنّ البحر أقلُّ مِنّا لهفةً لنشيدٍ يقصيه عن ذاته؟
كانت الصخرتان دفَّتَيْ كتابٍ تقرؤه الريح، وكلّما أنهتْ صفحةً نَثرتْ علينا مقطعاً من قصيدة الماء.
وقفتَ مصفّقاً للموجة:" هكذا، في سِيرْكِ طفولتِنا، كانت النمور تَمرُق بين حلقات اللّهب"
قلتُ:" هذا تأويلُ منامي. لحظةَ أُقفِلَ عليَّ التابوت، نَبَتَ لي جناحان".
ولو سألنا الطفلَ بائعَ الورد عمّا أفزَعه من هذي الموجة، لَتَذكَّرَ صاعقةً طرحته من أعلى درجات السلَّم قبل أن يقطف من دالية البيت عنقوداً.
وربّما شبَّهَتها تلك السيّدةُ الشاردة بزوجٍ سكران يوزِّع جلداتِه بالعدل على ما ملكت يمينُه.
انتهينا من استذكار الوسيلة الفريدة التي ابتكرها بطل( الفراشة) للفرار الأخير من سجنه، وبدأْنا نَعُدّ:
ثلاث موجاتٍ مترادفة متشابكة كارتجاجاتِ قطارٍ يَصفر متأهّباً،
والرابعةُ عاليةٌ كالنّقمة تشبُّ مفرَدةً وتَفرط سلاسلَها على الصخور.
لسببٍ ما( لعلَّه عادتُنا المزمنة في استقبال الشمس أينما جلسنا) اختارنا الرذاذُ مهبطاً لرُسله:
تلك الورود البيضاء التي نثرتْ وصاياها عطراً في أكفّنا قبل أن تذوي،
والخيول اللاهثة التي نفضتْ عَرَقَها على قميصينا،
وطيورُ الزَّبد التي حاولتْ أن تنسج بإبَرِ الملْح أعشاشاً بين عيوننا والشفاه.
ثلاث موجاتٍ: أسرى يلطمون الباب مدمدمين، ثم يرتدّون إلى الحائط.
والرابعةُ صرخةٌ يَجرح بها الفجرُ سُوْرَ الليل.
ولا فرار...
ليس هذا بحرَ الهروب يا صديقي، ولو بدا بَرُّهُ- كلُّ بَرِّهِ- سجناً.
اللاذقية-2014
3- رسائل
-1-
لا. لَم أغضبْ.
سلوايَ عن امَّحاءِ كلِّ أثَرٍ بقاءُ المؤثِّر،
وخصمي- منذ غادرتُ الطفولةَ- باطنيْ.
حدِّثني عن الصفير المالئِ رأسَك، فأُسمعَك مقاطعَ من اللّهَب الذي يجوِّف عظامي.
بشِّرني بموت الكلمات، لِأُعيدَ تسميةَ المدن واحدةً واحدةً بمفرَدات العواءِ المسوِّرِ لياليَها.
ارسمْ لي فوضى الحارَة التي لاذتْ بعربات قطارٍ معطَّل،
أنحتْ لك ضجيجَ الأعشاش في حرش السنديان المحروق.
برِّرْ لي نموَّ القصب على ضفاف المجزرة،
أفسِّرْ لك كثافةَ الهديل بين الأنقاض.
سَمِّ لي المقامات التي يُرفع بها أذانُ الفجر في حلب،
أُحْصِ لك الأثلامَ التي خَطَّتْها السياطُ على ظهر بلال.
حَلِّلْ لي الخطّةَ التي يسجِّل بها التاريخ أهدافَه وهو يركلنا من مرمى لآخَر،
أُعلِّلْ لك جدوى هذه الكُرات الراسخة بين أكتافنا.
لُمَّ لي أصداءَ موعظةِ الغراب من صوّانِ قاسيون،
أنثُرْ عليك من حَوْرِ الرَّبوة حفيفَ وفْدِ الملائكة حين زار آدَمَ معزِّياً بِاسْمِ الرَّب.
لوِّنْ- كما تشاء- الجداريّاتِ التي رسمها أسلافُنا المحنيّون في الكهوف بريشِ طرائِدهم،
أصوِّرْ لك- بكلّ الأبعاد- نَسْلَنا المحدودبَ على الشاشات سُخرةً للأعداء الذين خنَقَهم في مناماته.
أرِني الطبعةَ الجديدة من سيرة الحصان الذي عيَّنَه كاليغولا قنصلاً،
أُهْدِ إليك النسخةَ الأصليّة للَّيالي التي قضاها الطاغيةُ مُحاوِراً شَبَحَ البحر.
ارصُدْ لي ازدهارَ السّياحة في المحميّات البيئيّة التي دَشَّنها كولومبوس ببطانيّاتِ الجُدَريّ،
أُنبئْكَ بذبذباتِ أسهُمِ البورصة كلَّما انتشرَ فينا وباء.
حدِّدْ لي لحظةَ صارت المياه التي مشى عليها يسوع أغلالاً،
أَجمعْ لك باقةً من أشواك المرتقى إلى الغار الذي كوفئَتْ فيه العزلةُ بالوحي.
اقرأْ لي ما ترسَّبَ في فنجان القهوة الذي استعان به( سعاده) على ضباب الفجر في الرَّملة البيضاء،
أَكشفْ لك طالِعَ الرافدَين من أكفِّ السّبايا الخامشةِ هواءَ الجزيرة.
- 2 -
تصرُّ على كتابة اسم هذا البلد بالتاء المربوطة!
نعمْ. إنّ لها- كما تقول- شكلَ قلادةٍ نحتَتْها الشمس على صدر الأرض لألاءةَ الخدّين: خدٍّ ملوَّحٍ بأشواق البادية، وخدٍّ مندّى برغائب البحر.
ولها إيقاع الأرجوحة الحائرة بين الشرود في الأفق والخَدَرِ في الظلّ؛ منتهاها بدءٌ وجديدُها تكرار.
ولها جلال الوثائق النادرة: سواءٌ تلك الفخّاريّة التي أجارتها أفرانُ إيبلا من سنابك الفاتحين، أو هذه الجلديّة التي لَطَّفَتْ لُدونةُ الغزلان شراسةَ حروفها وعطَّرَ المسكُ أختامَها المدمّاة.
لكنْ. ما العيب في هذه الألف الممدودة كسؤالٍ وثَّقَتْ به أعمدةُ أفاميا أبَدَ الصداقة بين سهل الغاب والسماء،
الصلبةِ كذراع جلجامش وهي تلجم طوفاناتِ دجلة بجذوع الأرز،
الحادّةِ كآخر ما قالته جدّةٌ بَتَرَ اللصوص كفَّها حين أبت أن تخلع الخاتَم:" يا حيف عليكِ سوريا"؟.
بأيّهما اكتملت الزاوية القائمة بين دماء أدونيس وصنوبرات كنْسَبّا؟
أيّهما الراجحةُ في ميزان الصمت: المكوّرة كمطرقة الفتوى، أم المستقيمة كآخات المجلود؟
أيّهما الأولى بحسرتي:
القابلةُ- كلَّ لحظةٍ- للفتح والكسر والضمّ مثل سقوف بيوتنا،
أم الساكنةُ، أبداً، سكونَ أضلاع الخليقة تحت رُكَبِ وكلاء الخالق؟
- 3 -
شرطُ قبولِنا في مؤسسة الهواء إتقانُنا البكاءَ على زمن انغلاق الرئات.
يزوَّد أكثرُنا بذخيرةِ الشَّجَن التي تتطلبها هذه الموهبة من الظلمة التي اتّقدتْ فيها الروح، فيما الأعضاء براعمُ طافيةٌ على وجه الغمر.
حالَما نوظَّف فيها، يقاس نجاحنا بعددِ ما نكتم من أنفاس.
يصنَّف من يوجهون مهاراتهم إلى الذات مجانين أو ضَالِّين، لكنهم لا يَعدمون المكافأةَ بعد عقود أو قرون حين يتبيَّن هولُ الثروات التي أضافوها إلى الرصيد الماجد، بكلفٍ قليلة ووسائل نظيفة؛ فيطوَّبون شهداءَ أو روّاداً.
أما من يسدّدون قدراتهم نحو الآخرين فمصلِحون ومشرِّعون.
غيرةً من خلود أولئك وافتتاناً بوعود هؤلاء، ننفق حصَّتَنا لاهثِين:
سُخرةً في الورشات المنتجة للأسلحة والأقفاص والمواعظ،
أو مضارَبةً في بورصة السموم والطقوس والرايات.
هكذا نَدخلها شعراءَ، ونغادرها قَتَلة.
-4-
أُغميَ على أبي في قاعة المحكمة، حين دنا منه قاتلُ أخي مغمغماً بندَمٍ فظٍّ أجَشّ.
القامةُ التي لم تَجْفل فَجْرَ انخلعَ باب البيت من طَرقاتِ النّاعي وأُلقيتْ على العتبة ربطةُ الخبز المبقَّعة بالدم الساخن،
ولم تنحنِ في غرفة العناية إلّا لتقبيلِ يدَي الطَّعين وتغطيةِ نُتَفِ الدماغ المتناثرة بين أنابيب الإنعاش والوسادة الثلجيّة،
وأَجَّلَتْ دمعَ الوداع حين رأتْ لهفةَ غيومِ كانون على تعطيرِ مثوى حَبَّةِ القلب،
رَنَّحَتْها كلمة.
بعد شهورٍ، فسَّرَ لي الموقفَ:" كنتُ أظنّ المجرمَ أخرَس".
ذلك أنه عاش معتقِداً أنّ الكلام عطاء: يُبذل كفضيلة، ويُصان كنِعمة.
نادراً ما أتاح له كدحُ النهار أن يبادل صخبَنا على الغداء بغير الضحكات الخافتة؛ والإطراءِ الموجَز لنفَسِ أُمِّي الطيِّب، وحوقلةٍ أو اثنتين- إذ يرتشف شاي العصر- تعليقاً على ما تبثّه إذاعة لندن من أخبار.
كان يستقبل هلالَ كلِّ شهرٍ بوجهِ واحدةٍ من بناته، ممسِّداً شعاعَ الضوء المتموّج بين رأسها والسماء، صائناً تسبيحَه وأمانيه من عبث النسيم.
يرتّل قرآن الليل بمقام عراقيّ كالهدهدة، ويواكب صَباباتِ ناظم الغزالي- إذا صفا المَسْمَعُ- بأرجحةِ رَأْسِه وإسبالِ جفنيه وتربيتٍ رخوٍ موقَّع على الركبة اليمنى.
يدّخر في ضميره، ادّخارَ الشجرة المثمرة ودائعَ المطر كُرمى لصداقةِ الشمس، حفنةَ أقوال مأثورة؛ فينثر بعضَها إذا استحسن حكايةَ أحد الضيوف، أو سئل عن رأيه في مشروع مصاهرة، أو شاء أن يختبر مهارتي في الخطّ: " الظُّلم ظلُمات"،" العِرق دسّاس"، " كلُّ كريمٍ طَروب"، " الإنسان ذاتٌ أوَّلاً"،" صبرٌ جميل"، " إنّ من البيان لَسِحراً"...
لم يُفلح أحد أولياء أمر المدينة- بعد ساعات من الاستضافة الشبيهة بالإعتقال- أن ينتزع منه إقراراً بأن الجريمة كانت حادثةَ انتحار، وكان ردّه الوحيد على التعزية المبطَّنة بالترهيب:" أولادي لا ينتحرون.“
ها هو الليل يحاول أن يقْنعني، أنا أيضاً، أنّ اللغة بريئةٌ من دم الإنسان؛ أن الشرَّ صَموتٌ، والجرائم صنائعُ أشباحٍ جمَّدتْها البلادة في الأبد الفاصل بين تقوّس الضواري واستقامةِ الواعظين. هيهات بعد أن قرأتُ طوعاً كلَّ هذه الكتب، وسمعتُ قسراً كلَّ هذه الأناشيد، واتّفقتْ كلّ اللّغات الحيّة على أن تصنِّفَ أهلي دروعاً بشريّة!
اللاذقية- 2016